الموت لا يأتي إلى مرة واحدة : فولبر.. حياة باللون الأصفر

الموت لا يأتي إلى مرة واحدة

الموت و ما أدراك ما الموت. هو ذلك القريب البعيد. ذلك الذي يتكلم الكل عنه وفي نفس الوقت احتمل تأويلات مختلفة، فمنهم من يرى أنه نهاية حياة وبداية حياة جديدة، مع ما يتطلب ذلك من عمل في الحياة الدنيا لكسب الأجر في الحياة الآخرة، وهؤلاء هم الموحدون،  وفريق ثان يعتقد أن الأمر ينتهي بمجرد خروج آخر نفس وليس هناك لا حساب ولا عقاب ولا  جنة ولا  نار، وبين هذين الطرفين نجد فريق ثالثا  له أراء أخرى مغايرة. فكثرت الدراسات التي عالجت الموت، إما من الجانب الفيسيولوجي أو الروحي أو الثقافي أو الديني..

عانى الكوليسترول وإرتفاع الضغط ومات بسكتة قلبية



قرية كوراسي، في 18 ماي 1880.
وصلنا للتو إلى البادية، بالقرب من إقليم روين، بصمته ورائحة البحر، وفولكوره وعلاقته  الإجتماعية، الفلاحون في القرى والبورجوازيون في المدن يعيدون إنتاج الممراسات الأرسطقراطية التي بدأت جدوتها تخبو. ستحدد التورة الصناعية معالم القرن العشرين وستجر معها تلوثا لم يصبق له نظير.
توالت الحروب، لكن هناك تأكيد على أن أخرها سبق وجرى. وكانت فرنسا تعتقد أنها عصرية وقوية وخالدة. وتكاثر عدد الفنانين وبعض الكتاب كانوا يصفون بدقة متانهية الانحطاط الأخلاقي للمجتمع و بورجوازيته المتشددة، في هذا السياق، اشتهر غوستاف فلبر منذ فضائح السيدة  "السيدة بوفارس"  و "التربية العاطفية" و "غواية القديس أنطوان" التي عاشها الكاتوليك بمرارة، لكن أصدقئه زولا موباسنت وغونكور و دودي  لم يخطئوا : فوبر نابغة.

كتب غوستاف إليهم ليدعوهم للإحتفال بأحد الفصح 1880 بكرواسي. كانت الرسائل أشبه بالرسائل النصية القصيرة في يومنا هذا. إذ لم يمكن الحديث عن أية علاقة من دون ورق وريشة وكتابة.  أتوا جميعهم مستعملين الخط السككي الرابط بين باريس وروين. كانت الرحلة طويلة. غير أن الزمن في تلك  الفترة شرع في بالتغير بفعل التطور التقني، لأن وسيلة النقل تلك كانت شيئا جديدا. ولكم أن تتفكرو في قضاء يوم بطوله بين الأصدقاء، لم يكن شيئا مفتقدا! لقد عثروا على فلوبر في حالة صحية جديدة. لكن، وعلى  الرغم من ذلك، لم  يتخيلوا أن تكون تلك هي المرة الأخيرة التي يرونه فيها.


لم يحب فلوبر باريس قط، كان يعيش في البداية رفقة خادمة تسهر على مساعدته ومند سنة 1884، انتابت غوستاف حالات إغماءات مرعبة، أطلق عليها  <<أزمات عصبية>> هذه الاغماءات رافقها فقد للوعي وصفه زولا وغانكور بالقول كان يسقط بسبب الاغماءات واجتاحته موجات من النوم الثقيل. السقوط ثم تصلب الجسد ومرحلة من الهيجان،تلك هي أعراض أزمة الصرع.لقد تحسنت الامور في تلك الفترة عما كانت عليه في العصر الوسيط، حيت كان المصابون بالصرع يحرقون كان الاعتقاد سائدا بأن الأرواح الشريرة أو الشيطان يستحوذ عليهم ترك فلوبر من دون علاج،لأنه ببساطة لم يكن هناك أي علاج؛كما لم يعلم أحد بمسببات هذا المرض، ففي تلك الفترة، كان المرض يتطور بتطور تاطيرخه الطبيعي،  وكانت الحتمية تسمح بنوع من الرحمة. ولم يقوموا بأي شيئ من أجله على امتداد ست عشرة سنة، غير أن المشاكل المالية والتعب والإكتئاب أطلقت الأزمات من جديد. وكانت خادمته تعرفه حق المعرفة، وبغية إشعاره بلأمان، كانت تحدته بكلمات مهدئة يفهمها هو نوعا ما.

اشتغل فلوبر كأحمق من أجل إتمام بوفار وبيكوشي  وبعد عدة أيام على الغداء رفقة أصدقائه، أس لخادمته  بأنه يشعر بتعب كبير. فاستحم وحضر نفسه كعادته، في الغد سيتوجه إلى باريس، لكنه دخل في أزمة صرع،
فسارعت خادمته لتقديم يد المساعدة إليه، فوجدت الكاتب مضطجعا على الأرض. لذلك ذهبت للمناداة على الطبيب الذي لم يكن جاهزا، وحينما عادت إلى سريره، عثرت على فلوبر مستلقيا  على الأريكة مستيقظا لكنه منهك.  ومثل جميع المرات،  ومن أجل تهدئة قلقه، طلب منها أن تحدته، فمدت إليه يدها وحدثته بطريقة وديعة، كانت ممارسات شائعة  في تلك الفترة لإيقاف الصرع. شائعة بالرغم من عدم جدواها.
وفجأة قال : هذا غريب إني أراني أصفر. إني أراني أصفر ... وفي نفس الوقت، أحس لو أن ساقيه كسرتا ولم يستطع الوقوف... المشكل يكمن في أن هذا التغير في رؤية الألوان هو أكبر مؤشر على وجود سكتة دماغية في طور التشكل بدماغ غوستاف. ففي حالة إصابة ما، يتسبب الشريان الدماغي الخلفي بهدا النوع من الأعراض الخطيرة، وكقارب اصطدمة بجبل من الجليد، بدأ دماغ الكاتب يغرق في الدم! وحتى ألام الرأس التي أعقبت ذلك كمن المحتمل أنها كانت عنيفة وغير محتملة.
وقال بعد ذلك  أه، هذا شيء جيد، ألاترون أنه لو أني سافرت غدا في القطار، فسوف أتحسن لا محالة.

في تلك اللحظة، وبشكل مفاجئ، تراجع رأسه إلى الخلف على الأريكة ومات. فاعتقدت الخادمة أنه دخل في أزمة، لذلك لم تقم بشيء وانتظرت قدوم الطبيب، الذي تأخر حوالي نصف ساعة، كان الوقت قد فات، لكن في الكل الأحوال لم يكن ليفعل شيئا. في تلك الفترة، لم يكن هناك شيئ اسمه الإنعاش، وطبيب العائلة ليس له إلى يديه وتأمل الفاجعاب. النزيف الدماغي مر بسرعة البرق. لذلك، ومثله مثل الخادمة، تركه الطبيب على ما هو عليه، معتقدا أن الأمر يتعلق ب حالة سبات وأن المريض سيستيقظ عما قريب. ولم يقم بفحص الفقيد إلا حينما أصبحت رقبته زرقاء مسودة، وكان العزاء الوحيد: لم يعاني فلوبر.


في سنة 1880، تقدم أمد الحياة خصوصا مع التطور الذي شهدته النظافة، غير أن نتائج السمنة والأنظمة الغذائية المخيفة والكلسترول وارتفاع الضغط الشرياني والتبغ والكحول كانت مجهولة وكارتية، ولا أحد علم بكون غوستاف قد جمع كل تلك المشاكل أو حتى أنه عانى من ورم دماغي. لكن الأكيد هو أن الأجساد القوية في تلك الفترة وعادات الشرب والتدخين لم تنفع بشيء.



أعلن عن وفاته بسكتة، وهي كلمة عامة لا تعني أي شيء. إلا أن شيئا قد حدث في الدماغ، وتعني في نفس الوقت الكثير من مرض دماغي حاد.



انظروا، هنا على الطريق : زولا هو من يأخدنافي الموكب مرافقا فلوبر باردا وصلبا في فضاء مظلم وحزين يمتد من الكنيسة  إلى المقبرة. استشاط زولا و غونكور غضبا لأن عددا قليلا من سكان روين حضر الدفن. وظل صاحب رواية الحانة مقطبا حاجبيه بسبب قلة الإعتبار التي تعامل بها الناس مع الروائي الكبير، فكتب إليه بعد وفاته بمدة <<فلوبر المسكين والمشهور، أنت الذي أفنيت عمرك في الصراخ بوجه السخافات والجهل والأفكار الجاهزة والعقائد وحفلات تنكر الأديان، رموك وأغلقوا عليك داخل أربعة ألواح، وسط مهرجان مدهش من التراتيل الإستثنائية اللاتينية التي لم يفهموها حتى هم>>



بالفعل، رافق غوستاف بالكاد حوالي ثلامائة شخص إلى مرقده الأخير. سخرية المشهد أنه شبيه برواية <<السيد بوفاري>> كان فلوبر كبيرا بالمقارنة مع متوسط معاصريه، لذلك كان من اللازم، حسب زولا، تمديد لحده مثل أي نابغة في البداية، وجد حملته صعوبة في رفعه والحفاظ عليه. وبعدها أخد حافرو القبور بإنزاله، لكن... إنه أكبر من الحفرة، ولهذا بدأت المناورة واستراتيجية التعبئة، غير أنه سقط بقوة على الأرض! أصبح اللحد مقلوبا ومحاصرا.



فلم يقو أحد على رئية ذلك المشهد الذي أصبح مثيرا للسخرية: يكفي، يكقي، انتظروا بعض الشيئ، وفي تلك الأثناء، تراجعت الجموع، تاركة فلوبر في دفنه المنحني، محاصرا في قبره. في الوقت الذي دخل فيه فلوبر إلى الأرض بشكل مقلوب، خرجت إلى الوجود آخر أعماله <<بوفار وبيكوشي؛؛ التي ترمز إلى كل سخافات وحماقات المجتمع. كما ترك لنا إلى الأبد "كرطاج"  التي أصبحت خالدة مع روايته التاريخية "سلامبو" و "السيد بوفاري" وكذا "التربية العاطفية" كلها ستدخل السرور على أجيال بأكملها. إلتحق غوستاف فلوبر بالدار الآخرة  عن ثمانية وخمسين سنة.  

التسميات: