ملهمات العباقرة : دورا مارا ملهمة بيكاسو


<<  وراء كل رجل عظيم إمرأة  >>  مقولة  لطالما اختلف حولها الرجال والنساء، فكل طرف  يتمنع عن الإعتراف للآخر بفضله عليه في تحقيق ذاته وبلوغ درجة العضمة وبصم تاريخ البشرية. في هذه السلسلة وعبر وقائع تاريخية لا يرقى إليها الشك قصص نساء ألهمن رجالا عضماء فأثبتن صحة المقولة المثبتة أعلاه، فكن بحق   ملهمات العباقرة عبر الأزمان المختلفة وفوي شتى الميادين، من السياسة إلى الفن  والإبداع.


في عام 2006، بيعت لوحة لعميد الفن التكعيبي، الرسام الإسباني بابلو بيكاسو، مقابل 95.2 مليون دولار، محققة بذلك تاني أعلى رقم يدفع مقابل عمل فني في مزاد علني، حسب ما أعلنت عنه دار مزادات سوثبي العريقة .. إنها لوحة  دورا مارا مع القطة ( DORA MAAR  AU CHAT) التي تمثل صديقة بيكاسو وملهمته أواخر عقد الثلاثينيات، بعد أن أضهرها جالسة  على كرسي، بينما تقبع  قطة سوداء صغيرة على كتفها الأيمن..

   المرأة التي تبكي

كان مقهى سان جيرمان مكان اللقاء الأول الذي استمر ملتهبا لعشر سنوات بين بيكاسو و دورا مارا.. كانت حينها رفقة صديقه الشاعر بول إيلورا، الذي قدمها إلى بيكاسو، الذي قام باختطافها سريعا  لنفسه، متأترا بشعرها الأسود وعينيها السوداوين ولسانها الإسباني، حتى اصبحت ملهمته وموديلا حديثا للوحته الفنيةالتي تحتل اليوم أروقة المتاحف العالمية.. يستهدي ويستلهم منها بيكاسوا لوحاته وأحلامه بعالم أجمل، عالم لا تهذده الحروب بالفناء، في ظل  سنوات أوربا الحاكمة (1944ـ1935)، والتي غرق معها بيكاسو في حزن أبدي، حتى وجد تطابقا لملهمته  والقارة الحزينة  المنكوبة، بوحشية  أبنائها في  صورة  المرأة التي تبكي، وحين رسمها منذ اللقاء الأول، أخد يقول : << لقد رسمت امرأة باكية لا تبكي لا تبكي ليوم واحد بل لسنوات..، وهذا ما  تفعه الحرب  فينا. فلست كما يعتقد الآخرون، أهوى عذاب الآخرين، بقدر ما وهبني بذخها العاطفي والحسي، الخيط الذي امتد إليه لينقدني من اليأس، ويغطيني بهالة من الدفء النادر، لقد رسمتها هكذا لسنوات ليس من باب السادية أو المتعة، لكنني لم أكن إلا تجسيد الصورة التي حفرة  في مخيلتي.. كان هذا الحزن الحقيقة الكامنة في أعماق دورا مارا.. >>.

دورا مارا.. منجم الذهب



لم تثن  سنوات الخمسين بيكاسوا  عن الوقوع  في حب  ملهمته ذات  الأصول اليوغوسلافيةـ الفرنسية  التي  تربت وترعرعت  بالأرجنتين. وجاءت إليه محمولة  بسنواتها  الثلاتين، كان يرى فيها عشيقة حيادية،  بعد أن أخذت عوالم جديدة حيث التصوير الفوتوغرافي، تجلس إلى جانبه لساعات يتحاوران ويتناقشان في أمور  الحياة  ومشاهد اللوحات المقبلة، حتى أحس بيكاسو بأنه عتر على منجم من الذهب حيث بدأ يقول : <<  منذ لقائي الأول بدورا مارا، أخدت أشعر بأنني أمام منجم يستخرج  من لقايَ النفسية. فمئات   اللوحات التي أخرجتها لم تكن إلى من بواطن وملامح  دورا مارا، فلو لم تظهر في حياتي لكانت لوحة (غورنيكا) عملا فنيا عاديا من الذي قدمته، حيث الفتاة وريثة الإنفصال الجغرافي  (ولادتها في الأرجنتين وترعرها  في فرنسا)..  لقد أحسست بأنها المرأة المتشظية بين حساسيتين وحدسين وتقنيتين، تبعا لتوزعها بين فئتين: (الرسم والتصوير  الفوتوغرافي) المتمردة على نفسها، المليئة بالشغف والعصيان والفتنة،  قبل أن تتسلل إلى غورنيكا بيكاسو، وتحيط  حياتي بسحرها الجذاب..>>

اللوحات الضوئية


كان بيكاسو قد استلهم  لوحاته بانعكاس مباشر من دورا مارا، التي أخد يرسمها في  كل الأوضاع  والصور والصفات، متناسيا رسمها في حالة الهجران.   وهي التي جعلت منه الفنان المبدع  والسياسي المحنك، وأقامت معه  علاقة  تجاوزت حدود الرسام  بالموديل  إلى  الند بالندّ.. تناسى بيكاسو بأن ملهمته ستتركه سريعا بعد عشر سنوت من الإلهام، نظير تعرفها  على علاقته بالشابة الجديدة إبنة الإثني وعشرين ربيعا، والتي وصل به الأمر نحو اقتيادها إلى القاعة اقتيادها إلى القاعة التي كانت دورا تعرض فيها لوحاتها الضوئية، الشيئ الذي أصابها بخيبة الأمل الكبيرة من هذا الحب الجارف، لشخص لا يستحقها وأدى بها إلى إصابتها  بانهيار عصبي، أدخلت على إثره أحد المستشفيات الخاصة، قبل أن يتولى بيكاسو نفسه الإشراف عليها، وتحمل مصاريف علاجها، دون أن تنسيه عشيقته الجديد صورة امرأته الباكية،  ودون أن تغيب صورته التي بقيت مطبوعة في خيالها، حتى وفاتها عام  1997، عن عمر تجاوز التسعين عاما.


التسميات: ,