هل مازلنا نتطور؟

Are We Still Evolving?

أخذنا مسارنا التطوّري  عبر الـ 3 ملايين عام التي مضت من كائنات رئيسية عليا (Apes أو قرود)  تمشي بعقول بسيطة عاشت في شرق البرّ الأفريقيّ إلى بشر متطوّرين استعمروا كلّ بيئة في كلّ قطعة كبيرة من اليابسة على وجه الكوكب تقريباً.






لكن ماذا بعد؟ هل ما زلنا نتطوّر؟ وإن كان، هل غيّرت ثقافتنا وتقنياتنا مسار تطوّرنا؟ يقوم الباحثون حاليّاً بتعقّب مسار تطوّرنا بتفصيل مذهل عن طريق مخزون جينيّ كبير من جميع أنحاء العالم. واكتشفوا أنّ ثقافتنا واضطرابنا كجنس بشريّ تعرّضت لصدمة قويّة في بنيتها الجينيّة.
لن يبدو إنسان عاش في أفريقيا قبل 50 ألف عام مرتبّاً ومتأنقاً في بزّة رجل أعمال، ويرتشف القهوة من كوب ستاربكس في مانهاتن كما في هذه الأيام. لكن مع ذلك وعلى الرغم من تطوّر الإنسان الحديث في أفريقيا، تكفينا نظرة إلى ستاربكس في مانهاتن  لترينا أنّ التطور البشريّ استمرّ منذ أن هاجرنا خارج أفريقيا واستقرّينا في باقي أنحاء العالم: قامتنا ولون بشرتنا وشعرنا، أعيننا ومزايا أخرى في الوجه تظهر بوضوح أين عاش أجدادنا.

بدأ الإنسان الحديث بالتكاثر  قرب شرق آسيا،أوروبا وأستراليا منذ 40 ألف عاماً تقريباً، ووصل أخيراً إلى جنوب أمريكا قبل 12 ألف عاماً. وفيما استقرّ أجدادنا في نواح عدّة على سطح الأرض تنوّعت الأطعمة التي تناولوها، والأمراض وتحديات أخرى سببها الاختلاف بين الليل والنهار، درجات الحرارة، والارتفاع عن سطح البحر. تطوّرت الجماعات البشريّة حول العالم كاستجابة للتحديات الفريدة التي واجهتها في البيئة التي تعيش فيها، نتيجة لذلك نختلف عن بعضنا البعض ليس فقط في شكلنا الخارجيّ، لكن في الآلية الداخليّة لعمل أجسامنا أيضاً. يمكن رؤية تأثيرات التطوّر المختلفة بين البشر في أجزاء مختلفة من العالم اليوم في التأثير القويّ لتاريخنا على صحّتنا.

قام العلماء بالبحث في آلية العمل الجينيّ وراء هذه التغيّرات التطوّريّة لفهمها بشكل أفضل. يقوم العلماء باستخدام مخازن جينيّة من مختلف أنحاء العالم، مثل مشروع تنوّع الجينوم البشريّ، للبحث عن تحوّلات تظهر علائم الارتقاء خلال التطوّر. من بين الكشوفات كانت التحوّلات التي تسببت باللون الفاتح للبشرة في القسم الشماليّ لسكان الكرة الأرضيّة. قد تكون البشرة الفاتحة تطوّرت استجابة للحاجة إلى الحفاظ على الفيتامين D الذي تحفّزه الشمس فيما هاجر البشر إلى الشمال.
اكتشف العلماء تحوّلات عدّة في سكّان أوروبا  وآسيا الشرقيّة كانت مسؤولة عن اللون الفاتح للبشرة. كشفت أبحاث أخرى عن تحوّلات مسؤولة عن استرسال الشعر لدى سكّان قارّة آسيا  والعيون الزرقاء  لدى سكّان أوروبا، ويعود الأساس التطوّري لحالة  " القزم Pygmy" التي تستوطن الغابات الاستوائيّة لآسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبيّة، والتطيّفات المختلفة  لشعب الأندين، التيبت، والمجتمعات التي تقطن المرتفعات في أثيوبيا إلى تكيّفها مع نقص الأوكسجين الذي قد يسبب لغيرهم المرض. 
ليس هناك شك أيضاً أننا مارسنا تأثيرنا على البيئات التي استوطناها أيضاً. كان أحد أكبر التغيرات الثقافية التي مررنا بها كجنس بشريّ هو الاستقرار في قرى ومدن، ودعم أنفسنا بزراعة المحاصيل وتربية الدواجن. وخلال هذه العمليّة، تطوّر جهاز المناعة لدينا كما تطوّر معه الاستقلاب في جسمنا كاملاً . أوضح الأمثلة لتغيّر حصل بسبب تغيّر النظام الغذائيّ هو تحمّل النسب العالية للاكتوز  في سكّان أوروبا وقبائل الماساي الأفريقيّة الذين يستهلكون كميّات كبيرة من الألبان.

كان لحب السفر والتجوال لدى البشر أثر عميق على اختبارنا لآثار التطوّر . ويعود أغلب التغيّر الجيني إلى ما يطلق عليه علماء الوراثة بآثار الوجود، مايعني أن جيناتنا تعكس احتمال انتسابنا إلى المجموعة الصغيرة من المستعمرات التي ننحدر منها، بدلاً من ضغط التطوّر الذي يدفع للتكيف. تعود حقيقة تميّز الاستكتلنديين بشعر أحمر وسكان النرويج بشعر أشقر إلى آثار الوجود بحث أن الشعر الأحمر وليس لأنّ الشعر الأحمر ملائم أكثر للمناخ الاسكتلنديّ. كان للتقليد القائم على الترحال أثره أيضاً في كبح الانتقاء الطبيعي في حالات عدّة. درس أحد الأبحاث مصير التحولات الإيجابيّة في جميع أنحاء العالم واستنتج  أنّ " التجمعات البشريّة قد تكون متنقّلة بشكل كبير أو قد يكون لها هويّات متنوّعة بشكل كبير" بحيث تنتشر التحوّلات الإيجابيّة في تجمّع معيّن . نقوم كبشر بتحريك وخلط مزيج الجينات البشريّة بالتحرّك والتنقّل بكثرة ونغير تأثير الضغط التطوري على جيناتنا.

حدثت جميع التطورات الجينيّة التي درسها العلماء  قبل حدوث الكثير من التطورات التي غيّرت قواعد الأمور وتتضمّن، المضادات الحيويّة، اللقاحات، الأطعمة المنتجة بكميات كبيرة، عقاقير الخصوبة، وخدمات المواعدة على الانترنت. رفعنا احتمالات عيش الأطفال في معظم أنحاء العالم ليبلغوا سن الرشد ويقوموا بإنجاب أطفالهم أيضاً. هل يعني هذا أننا تجاوزنا المرحلة الفوضويّة من التطوّر وحصّنا أنفسنا بشكل كبير ضد الإنتقاء الطبيعيّ؟

ليس تماماً

لايعني كون أطفالنا لا يخضعون لأمراض الطفولة أن التطور فقد طاقته وتأثيره على جنسنا. لقد تكيّفنا على مدار الـ 40 ألف عاماً الماضية مع البيئات المحليّة التي استعمرناها، وسنتكيّف في المستقبل مع البيئة الاجتماعيّة والفيزيائيّة التي نكوّنها حولنا. يتزايد يوماً بعد يوم عدد الناس الذين يقررون الإنجاب في وقت لاحق من حياتهم أو عدم الإنجاب على الإطلاق، وهو خيار لم يكن خياراً لدى معظم النساء منذ وقت قصير. تعتمد صحّة أطفالنا اليوم بشكل أقلّ على احتمال حدوث مجاعة أو انتشار وباء ، وبشكل أكبر على خياراتنا كأهل. تؤثّر هذه القرارات على أي الجينات التي ستنتقل إلى الجيل القادم. يعتمد مسار تطورنا الجينيّ على قرارات ملايين الناس بحلّ مشاكلهم على مدى الـ 40 ألف عاماً القادمة.

من Pacific Standard
  
مقال لـ مايكل وايت Michael White، عالم أحياء أنظمة في قسم الجينات في مركز علوم الجينات والأنظمة الحيونية في كلية الطب، جامعة واشنطن في سانت لويس/ الولايات المتحدة. يمكن متابعته على تويتر من genologos@

التسميات: